الرياض تبحث عن مخرج من مأزق الحوثيين.. وواشنطن لا تمنحها الضوء الأخضر

أبين _ شقرة نيوز _ الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
واشنطن — تتحرك السعودية على أكثر من مسار في واشنطن لحشد دعم أميركي لمواجهة الحوثيين، في وقت لا تزال فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب متحفظة على إعلان التزامها بعمليات عسكرية جديدة ضد الجماعة المدعومة من إيران، ما يضع الرياض أمام اختبار صعب بين احتواء التصعيد وتأمين مصالحها الاستراتيجية.
وتكشف التحركات السعودية، التي تشمل الاتصالات المباشرة مع الإدارة الأميركية، واللقاءات مع أعضاء في الكونغرس، والاستعانة بشركات ضغط سياسي وإعلامي، عن مسعى لتوسيع دائرة التأييد داخل الولايات المتحدة، وتحويل التهديدات التي تواجه المملكة والملاحة الدولية إلى مبرر لتدخل أميركي أوسع.
لكن كثافة هذه التحركات لم تترجم، حتى الآن، إلى إعلان أميركي واضح عن استئناف حملة عسكرية ضد الحوثيين، على غرار الضربات التي نفذتها واشنطن في مارس 2025، وانتهت باتفاق أعلن الحوثيون بموجبه وقف استهداف السفن الأميركية، وفق ما أوردته تقارير عن تلك الحملة.
واشنطن تترك خياراتها مفتوحة
في مؤشر على حدود الدعم الأميركي المعلن، قال مسؤول أميركي كبير لقناة «الحرة» إن واشنطن تواصل الحوار مع السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بشأن الاستقرار الإقليمي، مؤكدًا التزام الولايات المتحدة تجاه شركائها، لكنه أضاف أنه لا توجد إعلانات بشأن تقديم دعم أميركي لعمليات عسكرية جديدة.
ويضع هذا الموقف الرياض أمام معادلة معقدة؛ فهي تسعى إلى تعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات الحوثية، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى معرفة مدى استعداد واشنطن لتوفير الغطاء العسكري والاستخباراتي واللوجستي اللازم، في ظل مخاطر اتساع المواجهة وانعكاساتها على أمن المملكة وإمدادات الطاقة.
وخلال سبتمبر الماضي، التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، في جدة، وسط تقارير عن طلب سعودي من واشنطن توجيه ضربات مباشرة للحوثيين، قالت تقارير إعلامية إن إدارة ترامب لم تستجب له.
كما سعى المسؤولون السعوديون إلى توسيع نطاق الخطاب الموجه إلى واشنطن، من خلال التركيز على تهديدات الملاحة في البحر الأحمر، وتداعيات الهجمات على أسواق الطاقة، بدل حصر القضية في المواجهة العسكرية بين السعودية والحوثيين.
وفي هذا السياق، حذر وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال مؤتمر في الرياض في 12 أكتوبر، من خطورة التطورات الأخيرة، داعيًا إلى التعامل معها بالجدية اللازمة. كما وصف وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان التهديد الحوثي بأنه تهديد عالمي، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر.
ويعكس هذا الخطاب محاولة سعودية لتقديم المواجهة باعتبارها قضية تتجاوز أمن المملكة، وتمس حرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة والمصالح الدولية، بما قد يعزز فرص الحصول على دعم أميركي ودولي أوسع.
من الكونغرس إلى شركات الضغط
لا تقتصر التحركات السعودية على البيت الأبيض والمؤسسات العسكرية الأميركية، بل تمتد إلى الكونغرس وشبكات الضغط السياسي التي تلعب دورًا في توجيه النقاش العام وصناعة المواقف داخل واشنطن.
وفي مطلع أكتوبر، التقى ولي العهد السعودي السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، وهو عضو في لجنتي العلاقات الخارجية والمخصصات بمجلس الشيوخ، ضمن تحركات تستهدف توسيع قنوات التواصل مع المشرعين الأميركيين.
وتستعين الرياض كذلك بشركات ضغط تعمل على تعزيز العلاقات السعودية الأميركية، وتقديم الحوثيين باعتبارهم تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي، مع التركيز على انعكاسات أنشطتهم على الملاحة والتجارة والطاقة.
وبحسب وثائق اطلعت عليها «الحرة» عبر السجل الأميركي للوكلاء الأجانب، ترتبط شركة «جيو بوليتيكال سوليوشنز» بعقد مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، المدعومة من السعودية، بقيمة 110 آلاف دولار شهريًا.وتشير الوثائق، وفق التقرير، إلى أن مايكل بيتروزيلو تلقى 600 ألف دولار من السفارة السعودية خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026.
كما تحدث نيك كليفلاند-ستوت، الباحث في معهد كوينسي، عن دور بيتروزيلو في تنظيم فعاليات لحشد التأييد للتحرك العسكري، والتواصل مع أعضاء في الكونغرس، ودعم جهود إيصال الموقف اليمني الرسمي إلى وسائل إعلام غربية.
وتعمل شركة «بالارد بارتنرز»، بدورها، بموجب عقد مع السفارة السعودية بقيمة 60 ألف دولار شهريًا، لتقديم المشورة الاستراتيجية والخدمات الإعلامية وتنظيم الفعاليات والدفاع عن المصالح السعودية، بحسب الوثائق التي استند إليها تقرير لقناة «الحرة» الأمريكية.
وتشير هذه الأنشطة إلى أن الرياض لا تراهن على القنوات الرسمية وحدها، بل تسعى أيضًا إلى التأثير في البيئة السياسية والإعلامية التي تتشكل داخلها قرارات واشنطن. غير أن اتساع شبكة الضغط لا يعني بالضرورة القدرة على تغيير حسابات الإدارة الأميركية أو دفعها إلى الانخراط عسكريًا.
فقرار استئناف الضربات لا يرتبط فقط بقدرة السعودية على إقناع المسؤولين والمشرعين، وإنما يتصل كذلك بحسابات واشنطن بشأن كلفة المواجهة، وأولوياتها العسكرية، ومخاطر التصعيد الإقليمي.
شراكات دفاعية لا تعوض الموقف الأميركي
وبالتوازي مع مساعيها في واشنطن، تعمل السعودية على تنويع خياراتها الأمنية من خلال توسيع شراكاتها الدفاعية مع دول أخرى، في ظل استمرار الغموض بشأن حجم الدعم الأميركي المحتمل.
وفي سبتمبر، وافقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة محتملة لبيع السعودية 48 مقاتلة من طراز «إف-35»، بقيمة تقديرية تبلغ 24.3 مليار دولار، وفق ما أورده التقرير. وتعكس الصفقة المحتملة استمرار المصالح الدفاعية المشتركة بين البلدين، لكنها لا تعني بحد ذاتها وجود التزام أميركي بشن عمليات جديدة ضد الحوثيين.
كما اتجهت الرياض إلى تعزيز تعاونها الدفاعي مع تركيا وباكستان ضمن اتفاقية دفاع مشترك، فيما عرضت فرنسا إرسال قوات لحماية ميناء ينبع النفطي، وأبدت المملكة المتحدة استعدادًا لإعادة تزويد الطائرات السعودية بالوقود خلال تنفيذ ضربات في اليمن، بحسب التقرير.
وتوفر هذه التحركات للسعودية مسارات إضافية لتوزيع الأعباء الأمنية، لكنها لا تحسم السؤال الأساسي المتعلق بقدرتها على بناء استجابة عسكرية متكاملة ومستدامة في مواجهة الحوثيين، خصوصًا إذا بقي الدعم الأميركي المباشر محدودًا.
خيارات الرياض بين التصعيد والتفاوض
على الرغم من العلاقات الوثيقة التي تربط السعودية بالولايات المتحدة، فإن تحويل هذه الشراكة إلى تدخل عسكري جديد ليس أمرًا مضمونًا. فواشنطن قد تواصل تقديم أشكال من التعاون الأمني والدفاعي من دون الالتزام بحملة عسكرية واسعة، وهو ما يحد من قدرة الرياض على التعويل على الموقف الأميركي باعتباره ضمانة تلقائية لتحقيق أهدافها.
ويرى إدموند فيتون-براون، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والسفير البريطاني السابق لدى اليمن، أن السعودية تذبذبت خلال الأشهر السابقة بين احتواء التصعيد والرغبة في حسم المواجهة مع الحوثيين وإيران، من دون بلورة رؤية واضحة للتعامل مع التحديات المتداخلة.
وفي المقابل، تحذر أبريل لونغلي آلي، الباحثة في معهد واشنطن، من أن الخيارات المتاحة أمام السعودية ليست سهلة؛ إذ إن تصعيد العمليات العسكرية ودعم القوات اليمنية بضربات جوية قد يفتح الباب أمام هجمات إضافية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما قد يؤدي استئناف المفاوضات في ظل موازين القوى الحالية إلى تعزيز موقع الحوثيين التفاوضي.
وتضع هذه المخاطر الرياض أمام مفاضلة صعبة: السعي إلى تغيير موازين المواجهة عسكريًا مع تحمل كلفة التصعيد، أو مواصلة المسار السياسي مع ما قد يفرضه من تنازلات ومخاطر أمنية طويلة الأمد.
وفي المحصلة، لا تكمن دلالة التحركات السعودية في واشنطن في حجم الاتصالات والإنفاق على شركات الضغط وحدهما، بل في السؤال عما إذا كانت هذه الجهود ستنجح في تغيير حسابات الإدارة الأميركية.
فحتى الآن، لا يظهر في الموقف الأميركي المعلن تعهد واضح بالعودة إلى حملة عسكرية ضد الحوثيين، بينما تواصل الرياض البحث عن دعم أوسع، في مشهد يعكس صعوبة تحويل الشراكات السياسية والدفاعية إلى التزام عملياتي مباشر.




